مفهوم العلم ماهو مفهوم العلم معلومات عن مفهوم العلم مفهوم العلم
بحث عن مفهوم العلم


مفهوم العلم وحقيقه التعلم مفهوم العلم مفهوم العلم
ليس المقصود بكلمة العلم هاهنا معناه المعاصر في العلوم الدقيقة فحسب, وإنما الغرض مفهومه العام الذي يشمل كل معرفة منظمة, عقلية منطقية كانت أو حسية تجريبية.

فالعلم في معناه اللغوي إنما سمي علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس, وهو كالعلم المنصوب في الطريق .

أما تحديد العلم في صناعة الاصطلاح فمن العسير تحقيقه تحقيقا يتفق عليه الباحثون في القديم, وفي عصرنا هذا أيضا, وإن ذهب أبو الحسن اللبان إلى عدم الجدوى من تعريفه: لأنه أظهر الأشياء, فلا معنى لحده بما هو أخفى منه .

وأنت إذا تصفحت اليوم مؤلفات الابستيمولوجيا, وقرأت مصنفات المناهج, واطلعت على المعجمات, فإنك بلا ريب تلقى صعوبة في الوصول إلى تعريف دقيق واضح للعلم, لأسباب منها أن الظواهر التي هي موضوع للعلم مثابتها مثابة المرض والموسيقى مثلا, فأنت تعرف مثل هذه الظواهر بيسر, ولكن يصعب عليك تحديدها بدقة كافية, لأنه كي يتحدد العلم فإنه يتطلب وضع معايير, وهذه المعايير تقتضي اقتراح نموذج تحدد فيه الفروق بين ما هو علمي وما ليس بعلمي, فهل اللسانيات, وهل التحليل النفسي اليوم من العلوم? إنه من العسير وضع الحدود بين العلم في هذا المجال والمناشط الثقافية الأخرى?

وليس من المؤكد وجود سمات مشتركة بين معارف مختلفة في موضوعاتها ومناهجها, مثل الفيزياء النظرية, والتاريخ, والأنتروبولوجيا (علم الأجناس), والبيولوجيا, وعلم النفس, فهل نحن أمام علم واحد أو علوم?

عني علماء الإسلام بتحديد العلم وصياغة مفهومه صياغة صناعية, كما عنوا بتعريف النظر والمعرفة والعقل والفكر وما إلى ذلك عناية فائقة في القرنين الرابع والخامس الهجريين خاصة, وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة تباين اتجاهاتهم الفكرية ومذاهبهم العقدية والفقهية من اعتزالية وأشعرية.

وأقتصر هاهنا على تعريف أورده الإمام المازري (ت536ه ) وهو:اعتقاد الشيء على ما هو به, مع سكون النفس إليه, إذا وقع عن ضرورة أو دليل , وهذا التعريف متقدم جدا ومعاصر, إذ أن بعض المعاصرين يعر فه بما لا يختلف عنه, فهو قد جمع فيه بين أربعة عناصر واضحة: اعتقاد+مطابق+سكون النفس+دليل ضروري أو نظري.

ونرى في زماننا أن الابستيمولوجيا الغربية تعالج النشاط العلمي الذي هو أرقى ما وصل إليه الإنسان من معارف, من زاويتين مختلفتين, أو إن شئت في اتجاهين متباينين:

اتجاه سمي بالاتجاه العقلي النقدي الذي يمثله تمثيلا قويا كارل بوبر(1902
1994م) الذي يتمسك بالنواة الصلبة للنشاط العلمي بعيدا عن أنواع الخطاب المجاور, مثل الأيديولوجيا, والفلسفة, أو شبه العلم.

أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه سوسيولوجي وتاريخ للعلوم, يقوم على قراءة مختلفة تماما لقراءة الاتجاه الأول, لأنه يسمح بالأيديولوجيا والمسلمات التي لا برهان عليها بأن تدخل في النظام المعرفي أو الجهاز العلمي.

إن الاتجاه الفلسفي أو العقلي في تعريف العلم أو تفسيره يعتمد أساسا على مبادئ أربعة :

1 الصرامة في المنهج, بحيث يجب على كل أنواع البحث أن تحترم المعايير العلمية, ولو في حدودها الدنيا من الصرامة, مثل التماسك المنطقي الداخلي بين الأفكار, والتطابق بين النظرية والظواهر التي تحكمها, باستثناء بول فرايند الذي يرى أن كل شيء مسموح به, فيما يتعلق بالمنهج.

2 الموضوعية والتعميم, فالخطاب تفترض فيه الموضوعية, فالمعادلة: E = MC2 مثلا صحيحة في مكة وطوكيو وواشنطن, عند المسلم والنصراني والبوذي.

3 تراكم المعرفة وتقدمها, بحيث تضاف معرفة جديدة إلى معارف قبلها باستمرار, فيكون تاريخ العلوم في تطور مستمر.

4 التحقق والدحض, فكل علم جدير به أن يراقب خطابه بنقده ومناقشته ومواجهته بالوقائع بالبرهنة على نتائجه, ووضع قاعدة لها موثوق بها مؤقتا على الأقل, وإن كانت هذه النتائج ذات صبغة احتمالية, ومع ذلك فالخطأ يكمن في قلب المنهج العلمي, وفي لب الروح العلمية من الصعب تفاديه دائما, ولهذا فإن وظيفة المنهج العلمي هي الكشف عن الأخطاء التي تعاني منها الحقائق العلمية, فالروح العلمية إن هي إلا مقاومة متواصلة للضلال, ولا يتقدم العلم إلا بالنقد والمعارضة, إذ إنه لا يقوم على أرض مضمونة دائما.

أما الاتجاه التاريخي الاجتماعي في تفسير العلم, فيعتمد على التحليل التاريخي للعلم, تحليلا قائما على علم الاجتماع أو علم النفس, ويرى أصحابه أنه إن كان العلم ثقافة مثل سائر الثقافات, وإذا كانت إرادة الصرامة في العلم والاهتمام بالموضوعية الذي يبديه العلماء أمرا مسل ما به, فإنه مع ذلك تختفي وراءه بشعور أو بدونه مسلمات
لا برهان عليها, وأيديولوجيات, وأهواء مضمرة, وممنوعات أيضا.


وإذا كانت جماعة العلماء جماعة إنسانية مثل غيرها من الجماعات بما لها من أهواء, واعتقادات, وسلطة, فإن تاريخ الوقائع العلمية, وما يكتنفها من عوامل سوسيولوجية إنما تصف لنا عملا إنسانيا ذا صلة بتاريخه وضغوطه الاجتماعية, ومرتبطا بالعقليات السائدة في المجتمع أو النخبة.

ونحسب أن تطور المفاهيم العلمية حقل خصب في تاريخ العلوم, لذا نجد في عصرنا هذا عدة علماء وفلاسفة يعنون بهذا المجال, أمثال: توماس كون, وإيمر ليكاتوس, وجرار هولتن, واسكندر كوريه, وجاستن باشلار, وتلاميذهم.

يرى توماس كون أنه يسود في كل عصر نموذج علمي نظري, يتخذه العلماء مرجعا لهم وسندا, وهو الذي يكو ن بناء العلم, ويقود البحوث, يسم يه توماس Paradigme, وفوكو Epistim, ولوكاتوس برنامج البحث, ويسميه هولتن Themata.

وقد يستعمل مفهوم في علم م ا, ثم يهاجر إلى علم آخر أو علوم, مثل مفهوم الانتخاب والمنافسة اللذين انتقلا من البيولوجيا إلى الاقتصاد, وهكذا يتم التقدم العلمي بطريق آخر غير التراكم المعرفي المتصل, وإنما يتقدم بقطيعة وثورة يظهر إثرها نموذج جديد للعلم مباين لما قبله, فالعلم بهذا المنظار يصبح ذا صلة وثيقة بمنطق التاريخ, وبصيرورة الاجتماع البشري, وهذا لا يحط من قيمة العلم, بل يتيح له ذلك أن يتجاوز نفسه باستمرار, وهو سر ديناميكية العلم وحيويته, فالعلم بهذا يكمن تقدمه في مناقشة أخطائه وتفاديها دون توقف, وفي عدم الرضا الكلي عما نزعم أنه علمي يقيني قطعي, فالمناقشة الحرة والنظر النقدي من الوسائل الفعالة في تقدمه, وفي القرب من الحقيقة, فأخطاؤنا هي التي تعلمنا.

ونحن رأينا في التاريخ كيف أن الحروب الدينية في أوروبا ساعدتهم على المرانة على هذا النموذج من التفكير النقدي المنافي للتسلط, فذلك الذي جعلهم يتعلمون التسامح مع المعتقدات الأخرى المخالفة لمعتقداتهم, بل عل متهم احترامها, واحترام من آمن بها عن إخلاص كما يقولون هم أنفسهم.

فالمناقشة الحرة تبين أنه عندما يستمع بعض العلماء إلى بعض, وينتقد يعضهم بعضا آخر, فإن الحظ يسعدهم أن يقتربوا من الحقيقة أكثر, ذلك أن العلم ينبت في أرض ثقافية, والمعارف مرتبط بعضها ببعض, كما يرى أبو حامد الغزالي, والأفكار ترحل وتسير, والعقول تتلاقح, والنظم النظرية مفتوحة, وهذا ما يكفل لها هذا اللون من الغنى الذي ينشأ عن لقائها وتفاعلها وتقاطعها, وعن انتقالها من حدودها إلى حدود معارف أخرى من علوم الطبيعة إلى علوم الإنسان في نسيج الثقافة العلمية الإنسانية.

فالعلم البشري ليس علما مطلقا, إن الذي يشتغل بالعلم كما أشار بعض العلماء إلى ذلك لا يشعر بوجود عالم من النظريات المؤكدات تمام التأكيد, ولا بحقائق مؤسسة تأسيسا نهائيا, ولا يرى العلماء أنها تتمتع ببراهين قاطعة مطلقة حتى تبلغ بذلك مبلغ اليقين, فهم يتصورون العلم باعتباره مجموعة من افتراضات لها شيء من الدعائم,
قلت أو كثرت في شكل نظريات موضعية لا تتخذ صيغة وحدة كاملة.

لهذا نرى رشارد فريدمن الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1966 يقف موقفا صريحا من غموض مفهوم العلم ومعناه فيقول: اشتغلت بالعلم طوال حياتي عارفا تماما ما هو, ولكن الإجابة عن السؤال: ما هو العلم? هو الأمر الذي أشعر أني عاجز عنه! .

وهذا ما جعل المفهوم النسبي للعلم يسود اليوم لدى فلاسفة العلم, وعند العلماء أنفسهم إلى حد أن ادعى أحدهم, وهو بول فرايرابند أن كل شيء في العلم جائز, وصنع لنفسه نظرية الفوضى في نظرية المعرفة , وأعلن إنكاره لما يسمى بالمنهج في العلم, وكتب كتابا عنوانه "ضد المنهج", واعتقد بأنه لا يمكن القول بأن العقل يصل في العلم إلى ما هو كلي, كما لا يمكن أن يستبعد اللامعقول من العلم, وهذا ما جعله معجبا بالصين عندما رفضت جماعة ماوتسي تونغ العلم الغربي المهيمن في ثورته الثقافية.

وأغرب من ذلك فإن بول فرايراب ند دعا إلى إعادة الاعتبار للسحر والتنجيم والكهانة والأساطير التي عزم العقليون على محوها من الأرض, وربما كان هذا إشارة إلى عرض من أعراض أزمة العقل الغربي, وما عزمت عليه جماعة ما بعد الحداثة من فك الثوابت, وهدم ما تعارف عليه أهل الغرب من العقلانية وصرامة المنهج والثقنية.

ولا ينفي هذا أن للعلم عموما وللمعرفة منطقا تنظيميا فيما يذهب إليه فيلسوف العلوم ومؤرخ اللسانيات سلفان أورو, فالعلم يملك نظاما ما يتكون من ثلاثة عناصر على الأقل ضرورية:

1 عناصر نظرية (مفاهيم...).

2 عناصر اجتماعية (مؤسسات سياسية, علمية,...).

3 عناصر نفعية عملية (تقدم اقتصادي وتقني...).


ومن وسائل فهم العلم وتاريخه الاعتماد على دراسة العلاقات بين هذه المكونات الثلاثة, فالعلم لا يلخص في مجرد النظريات والمعطيات والتجارب, لأن الأفكار ينتجها بشر ومؤسسات, ويأخذ بها علماء من البشر.

ومن أجل هذه النسبية وهذا القصور في العلم لجأ العلماء والباحثون إلى طريقة جديدة (موضة العصر) وهي ما نسميه ما بين التخصصات , وهي وسيلة تكمل النقص الذي يعاني منه التخصص الواحد, وذلك لضرورة وجود تفكير كلي جامع, أو نظرة شاملة, وهذا ما أثمر سببا من أسباب التجديد في العلوم الاجتماعية, حيث أثبتت بعض الدراسات أن معظم التجديد النظري انبثق من الحدود والهوامش التي تلتقي فيها هذه العلوم, مثل اللقاء الأخير بين البيولوجيا وعلم الأجناس (الأنتروبولوجيا), ففتح بذلك حقل خصب لاكتشافات عن أصول السكان, فتيسرت معرفة الأنساب بواسطة خصائص الدم.



هذا, وقد أعجبني بهذا الصدد ما أشار إليه أبو بكر بن العربي من ضرر التخصص الضيق, قال: "ولا يفرد [الإنسان] نفسه ببعض العلوم, فيكون إنسانا في الذي يعلم, بهيمة فيما لا يعلم, ولا سيما من أقام عمره حس ابا أو نحويا فقد هلك, فإنه بمنزلة من أراد صنعة شيء فحشد الآلة عمره, ثم مات قبل عمل صنعته .



وينبغي هاهنا أن نشير إلى ظاهرة أزمة الأسس, وأزمة الثقة بالعقل والعلم عند الغربيين, حتى ظن بعضهم أنهم سيعلنون عن موت العلم, وفعلا فإنه أعلن بعضهم عن أزمة العلوم الأوروبية, ووضعت العقلانية الأوروبية عامة, ووجهها البارز الميتافيزيقا موضع تساؤل, وأصبح الشعار: كل حقيقة هي خطأ لم يبت فيه بعد , معلنا وأنه لا يتصور مستقبل للعلم إلا في حدود قطيعة ابستمولوجية, وإعادة تنظيمه تنظيما جذريا ففي كل مرحلة من مراحل التاريخ يشكل العلم فيه بناء مستقلا, باعتباره نموذجا جديدا منقطع الصلة بما قبله من النماذج فيما يرى توماس كون كما أشرنا إلى ذلك.



وبعد ما انقطعت صلة العلم بالأخلاق في الغرب نرى لدى بعض الفلاسفة اليوم مبدأ الالتزام الخلقي, كما نجد ذلك عند الفيلسوف "رورتي" حيث بين أنه مع جماعة من البراجماتيين الجدد لا يملكون نظرية في الحقيقة, لأنهم من أنصار التضامن, ويقوم تفسيرهم لقيمة العلم والبحث الإنساني على قاعدة أخلاقية, لا على نظرية المعرفة, ولا على الميتافيزيقا, وهذا العنصر الأخلاقي هو الذي فقده العلم الغربي اليوم, ولذلك نشأت أزمة العقل وأسس المعرفة, فكاد الناس في الغرب ييأسون من العقل, والعلم, والتقدم, لفقدان عنصر آخر يدعم هذا العلم الإنساني ويغذيه, ويربطه بوجود آخر غير الوجود المشاهد المحسوس, وهو الأمر الذي يضمنه الإسلام في احترامه لعقل الإنسان وكرامته.



2 هل العقل من شأنه الوصول إلى العلم?



وصف بعض أئمة المسلمين العقل بأنه أم العلوم , وعرفه المحاسبي (ت243ه ) بأنه غريزة, وشبهه بالبصر, كما شبه العلم بالسراج, فهو عنده: غريزة يولد العبد بها, ثم يزيد فيه معنى بعد معنى, بالمعرفة بالأسباب الدالة على المعقول .



ومن وظائفه الفهم والبيان, ويسمى ذلك عقلا أيضا, لأنه من العقل كان, وأدخل المعنى الأخلاقي في وظيفة العقل, فهو الذي لا يميز بين الحق والباطل فحسب, ولكنه يميز بين الخير والشر, والعاقل هو الذي يلتزم الخير ويبتعد عن الشر.



وأشار أبو حامد الغزالي إلى معنى اتفق فيه مع رأي المحاسبي, فالعقل عنده أيضا: غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية (...) فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم المكتسبة كنسبة العين إلى الرؤية, ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها كنسبة الشمس إلى البصر .



وسوى الأشعري بين العقل والعلم, ولا فرق عند العرب بين عقلت وعلمت وعرفت عند أبي بكر بن العربي, أما الراغب الأصفهاني (ت503ه ) فعر فه تعريفا لطيفا وقال إنما: سمي العقل عقلا من حيث إنه مانع لصاحبه أن تقع أفعاله على غير نظام, وسمي علما من حيث إنه علامة على الشيء .



ويذهب بعض علماء المسلمين إلى أن العقل ليس جوهرا كما يعتقد فلاسفة اليونان, وإنما هو فعل وفاعلية, وإن أنكر الصيرفي هذا, وبين أن: العقل معنى ركبه الله في الإنسان, لا أنه فعل كما زعم بعض الناس . وأكد بعض المعاصرين لنا أن العقل في مفهومه القرآني فعالية, وليس جوهرا, وصيغ العقل في القرآن فيما نعتقد تدل على هذا, لأنها في أغلبها صيغ فعلية, وفي صيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار.



جعل أبو حامد الغزالي للعقل مكانة متميزة على غير ما يعتقد بعض الباحثين, فهو عنده: منبع العلم, ومطلعه, وأساسه, والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة, والنور من الشمس, والرؤية من العين , إلا أن طائفة من المحدثين فيما يذكر أبو إسحاق الإسفراييني أنكرت أن يكون العقل طريقا للعلم.


أما العلاقة بين العقل والعلم الديني فقد صورها أبو حامد الغزالي على هذا النحو: وليس يخفى أن العلوم الدينية, وهي فقه الآخرة, إنما تدرك بكمال العقل, وصفاء الذكاء, والعقل أشرف صفات الإنسان . ورأى الإمام المازري أن صحة الشرع إنما تعرف بالعقل, ورد على طائفة من المحدثين تنكر العلم العقلي, فقال: وأما من قصر العلم على الشرع فظاهر البطلان, لأن صحة الشرع إنما تعرف بالعقل .



ومن الألفاظ القرآنية العربية التي لها علاقة بالعقل والعلم لفظ الفكر, دلالتها اللغوية إعمال العقل في حل مشكلة, ويرى بعض الأدباء أنها مقلوب كلمة "فرك", إلا أن الفرك يستعمل في فحص المحسوسات, والفكر في المعاني.



ويرى الغزالي أن معنى الفكر: إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة. والتفكير والتأمل والتدبر عنده كلمات مترادفة, أما التذكر والنظر والاعتبار فهي مختلفة, وثمرة الفكر إنما هي تكثير العلم واستجلاب معارف جديدة, ويتمادى الفكر في نظر الغزالي إلى غير نهاية, فالعلوم لا نهاية لها, ومجاري الفكر غير محصورة, وثمراته غير متناهية , وهو في الآن نفسه شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم , ويجري الفكر فيما يتعلق بالدين وفيما يتعلق بغير الدين.



وأما النظر فهو طلب الصواب, ويقتصر الجدل على مجرد نصرة له, وللحق إن كان ما يجادل عنه حقا في واقع الأمر.



بيد أن ثقة الصوفية في العقل وعلومه غير وثيقة, وإن تمتع بعضهم بتحليلات عقلية بديعة, وأحسب أن العقل الذي ينفرون منه هو العقل الجدلي والمماحكات التي لا تؤدي إلى اليقين, أما العقل بمعناه الحقيقي فلا يمكن لإنسان أن يفرط فيه, إلا إذا فقد إنسانيته, ولا ت ن افي في نظرنا بين الذوق العقلاني والذوق الوجداني تنافي تناقض أو تضاد.



ويلاحظ الراغب الأصفهاني ما للعلم في الإسلام من صلة وثيقة بالعمل, فيشير إلى تلك العلاقة اللغوية بين "علم " و"عمل ", فالعلم مقلوب العمل, وهذا يومئ إلى هذه العلاقة المتينة في العقلية العربية ذات الوجهة العملية في الحياة, ولذلك فسر المفسرون الحكمة في العربية بأنها إحكام للعلم, وإحكام للعمل معا, فهي تحقيق العلم, وإتقان العمل.



ولاحظ الراغب ملاحظته يبدو أنه انفرد بها في تفسير قوله تعالى:"ويعلمهم الكتاب والحكمة , وهي أنه: " قد أفرد ذكر الحكمة في عامة القرآن عن الكتاب, فجعل الكتاب رسما ل ما لا يدرك إلا من جهة النبوات, والحكمة لما يدرك من جهة العقل, وجعلا منز لين (...) وجمع بينهما في الذكر لحاجة كل واحد منهما إلى الآخر . وفسر الميزان بالحكمة في قوله تعالى: "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان " .



فالعلم, والحكمة, والعقل, والعمل معان متشابكة يؤدي بعضها إلى بعض, وقد أشار أبو بكر بن العربي إلى هذا التداخل بين هذه المعاني في صورة واضحة رائعة في مبناها ومعناها, فقال: وليس للحكمة معنى إلا العلم, ولا للعلم معنى إلا العقل, إلا أن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم وفائدته, ولفظ العلم مجرد من دلالة على غير ذاته, وثمرة العلم العمل بموجبه, والتصرف بحكمه, والجري على مقتضاه في جميع الأقوال والأفعال, وبناء "عقل" يقتضي أن تجري الأفعال والأقوال على قانون فلا يسترسل في الممكنات, وكذلك بناء "حكم" مثله في اقتضاء ذلك .



وهذا التفسير للعقل بالقانون الضابط للأقوال والأفعال في غاية الأهمية, وكذلك اقتضاء الحكمة لهذا القانون .



وفسر الغزالي الحكمة بأنها في بعض مواضعها من القرآن الفهم في كتاب الله , ومن زعم أنه استوفى معاني القرآن, فإنما يعبر عن نفسه, وعن حده في الفهم, فالقرآن أعطى للإنسان ثقة في عقله إذا وفق في استعماله, ولم يستهن به, ولم يستبعده مما جعل له, ولم يقلل من شأنه, بل دعا إلى البرهان الذي يقيمه العقل وجعله حجة داخلية في الإنسان بالإضافة إلى الحجة الخارجية وهي الوحي.



ونحن نقرأ اليوم في فلسفة العلوم الغربية ما يجعل القرن العشرين يوسم بأنه قرن أزمة العقل في نظر بعض كتاب الغرب وفلاسفته, وذلك بعد أن ظهرت نظريةKurt Godel في عدم التكامل بين الرياضيات التي كان يظن فيها أنها معيار اليقين والدقة, مما أدى إلى هدم فكرة بناء لغة منطقية مغلقة كاملة.



وأكد هذا كارل بوبر حين انتهى إلى أن النظرية العلمية ليست هي التي تعبر عن حقيقة محددة تحديدا نهائيا, ولكنها على العكس هي التي يمكن أن توضع موضع النقد والنقض على ضوء مبدأ النقض.



فنقاد العلم اليوم يريدون أن يهدموا ما كان يحلم به العلماء من إمكان الوصول إلى لغة علمية عالمية موحدة, فقد حارب فيراباند بول في كتابه "وداعا للعقل" محاربة لا هوادة فيها فكرتين رئيستين, وهما العقل والموضوعية اللتان يزعم العلم أنه يتوفر عليهما, ويقيس العلم على الفن, فالعلم عنده ليس أدق ولا أنفذ من الأسطورة! وهذا لم يذهب إليه حتى غلاة المتصوفة عندنا. فهل من منقذ للعقل والعلم بعد هذا?